x

الرئيسية » إجتماعيات » المخدرات » المخدّرات
شارك الخبر
المخدّرات
24/05/2011 - 04:26

المخدّرات: آفة المُجتمع، أسباب التعاطي، وعوامل الإنتشار.

 

 

 أسباب التعاطي:

1) الأسباب الأسريّة:

تلعب الأسرة دورا أساسيا في عملية التطبيع الاجتماعي لأفرادها الذين هم أفراد المجتمع ذلك أنها الجماعة التي يرتبط بها الفرد بأوثق العلاقات وهي التي تقوم بتشكيل سلوك الفرد منذ مراحل نموه الأولى.

لا ينحصر تأثير الأسرة في مرحلة الطفولة وإنما يمتد ليشمل جميع المراحل العمرية المختلفة فيشمل كل جوانب شخصية الفرد. تدل معظم الدراسات بما لا يدع مجالاً للشك أن الشباب الذين يعيشون في أسرة مفككة يعانون من المشكلات العاطفية والاجتماعية بدرجة أكبر من الذين يعيشون في أسر سوية، وأن أهم العوامل المؤدية إلى تفكك الأسرة هي الطلاق أو وفاة أحد الوالدين أو غياب الأب او الأم المتواصل عن المنزل. كما أن إدمان الأب أو الأم على المخدرات له تأثير ملحوظ على تفكك الأسرة نتيجة ما تعانيه أسرة المدمن من الشقاق والخلافات لسوء العلاقة بين الفرد المدمن وبقية أفراد الأسرة.

يعتقد بعض الباحثين أن هناك صفات مميزة للأسرة التي يمكن أن يترعرع فيها متعاطو المخدرات، فيرون أن أهم هذه الصفات هي عدم الاستقرار في العلاقات الزوجية وارتفاع نسبة الهجر. يعتبر الطلاق من بين أبرز العوامل المسببة للتصدع الأسري وجنوح الأحداث، ذلك أنه يعني بالنسبة للحدث الحرمان من عطف أحد الوالدين أو كليهما وكذلك الحرمان من الرقابة والتوجيه والإرشاد السليم.

توضح دراسة أجريت في الأرجنتين شملت ألف حالة من الأحداث لمعرفة تأثير الأسرة في الإدمان على المخدرات، أن نسبة كبيرة من الأحداث قد تعرفوا على العقاقير المثيرة للنفس عن طريق تعاطي العقاقير الطبية التي يصفها الطبيب لأحد أفراد الأسرة أو التي تتعاطاها الأم من تلقاء نفسها.

ووجد أن الإسراف في استهلاك هذه العقاقير يشكل قاسماً من عادات الأسرة مما يؤدي إلى اكتساب الأبناء عادة تعاطي هذه العقاقير لأغراض مختلفة. تؤثر الرقابة الأسرية وقيام الأب والأم بدورهما على سلوك الشاب بأن تدفعه نحو تعاطي المخدرات أو تبعده عن هذا الاتجاه. فالرقابة السليمة من شأنها أن تقلل من فرص احتكاك أفراد الأسرة بالجماعات المنحرفة إلى جانب إسهامها في عمليتي الإرشاد والتوجيه التي يعتبر أفراد الأسرة لا سيما من هم في مرحلة المراهقة في أمس الحاجة إليها. وتشير الدراسات المختلفة إلى أن تعاطي المخدرات ينتشر بين أوساط الشباب المنتمين إلى أسر ذات رقابة أبوية ضعيفة أو معدومة

2) رفاق السوء:

مما لا شك فيه أن للأصدقاء والأصحاب دور كبير وبارز في التأثير على اتجاه الفرد وسلوكه العام. كي يبقى الشاب عضواً في الجماعة يجب عليه أن يساير أفرادها في عاداتهم واتجاهاتهم السلوكية سلبية كانت أو إيجابية. وهنا نجد الشاب يبدأ في تعاطي المخدرات في حالة تعاطيها من قبل أفراد الجماعة، رغم ما قد يجده من صعوبة في التعاطي في بداية المشوار فقط من أجل أن يظل مقبولا بين أصدقائه، ولا يفقد الاتصال بهم.

أكدت إحدى الدراسات على أن أغلب الشباب إنما يحصلون على المخدرات من أصدقائهم الذين في مستوى سنهم، مما يؤكد الأثر الكبير لجماعة الرفاق في تحديد الاتجاهات السلوكية. إن التناقض الذي يعيشه الشاب في المجتمع قد يخلق لديه حالة من الصراع عند تكوينه للاتجاه نحو تعاطي المخدرات، فهو يجد نفسه بين مشاعر وقيم رافضة وأخرى مشجعة.

لذا فإنه عندما يلجأ إلى الأصدقاء الذين يتبنون ثقافة تشجع المتعاطي على الولوج في هذا السلوك، فإن تورطه في مشاكل التعاطي والإدمان على المخدرات يكون واردا. تعتبر ظاهرة التجمع والشلل بين الشباب من الظواهر السائدة في المجتمعات العربية، وهذا ما يلاحظ في تجمع الشباب في الشوارع والأندية والأزقة، والرحلات الأسبوعية، والتجمع الدوري في بيوت أحد الأصدقاء والسهرات في ليالي الإجازات وفي العطلات الرسمية.

هذه التجمعات كثيراً ما تؤثر على سلوك الأفراد سواء بالإيجاب أو بالسلب. كذلك هو الحال بالنسبة للسجون غير المنظمة حيث يوضع السجين الجنائي مع سجناء الإدمان وما شابه ذلك. ولما كانت ظروف السجن ظروفا غير طبيعية فإن ذلك يعني سهولة إقامة علاقات الصداقة الحميمة بين المسجونين وتوطد هذه العلاقات بين الجماعة الواحدة التي تمتد لمرحلة ما بعد السجن ملقية بآثارها السلبية على الاتجاه السلوكي للشاب، فيبدأ في الانغماس في تعاطي المخدرات، أو المتجارة فيها.

لعل أبرز ما يساعد على تعزيز هذا السلوك هو عدم تقبل المجتمع للشخص المنحرف وصعوبة انخراطه مع الأسوياء حتى من الأهل الذين ربما يتبنى بعضهم مواقفا سلبية في بعض الأحيان حفاظاً على سمعتهم ومكانتهم بين الناس. لذا لا يجد الشاب أمامه إلا طريقاً واحداً وهو جماعات السجن التي تقبلته ولازالت قابلة لأن تتقبله بصدر رحب وتشعره بالاستحسان والرضا.

3) فساد البيئة المحيطة وسهولة القوانين:

هذا هو السبب الشائع في جميع الدول حيث يلاحظ تبني الجهات الرسمية للقوانين الوضعية التي تعجز عن فرض العقوبة الملائمة لحجم. إن فلسفة العقوبة في أي تشريع يجب أن تكون سليمة لا بد وأن تبنى على أساس النفع الاجتماعي وليس الفردي فحسب. فالعقوبة يجب أن تردع المذنب دون أن تحمل الأثر الرادع على المحيطين في المجتمع، وإلا كانت العقوبة ناقصة. 

4) أوقات الفراغ:

تلعب أوقات الفراغ دورا كبيرا في اتجاه أفراد المجتمع لا سيما فئة الشباب نحو تعاطي المخدرات والمواد الكحولية بغرض شغل هذا الفراغ، ثم تتطور الحالة إلى أن تصل إلى حالة الإدمان التي يصعب علاجها. يحمل الشباب بين أضلاعه طاقة كامنة كبيرة لابد من تفريغها، فإذا لم تتوافر في المجتمع المحيط الوسائل السليمة والصحية لإفراغ هذه الطاقة كانت النتيجة الطبيعية هي الاتجاه نحو الانحرافات السلوكية والتي على رأسها الإدمان

5) الحالة الاقتصادية ووفرة مواد التعاطي:

تمتع بعض الشعوب بالحالة الاقتصادية الجيدة والدخل فوق المعتدل نسبيا، مع ضعف الرقابة الأسرية وسهولة القوانين المعمول بها ووفرة مواد التعاطي كلها عوامل تدفع بالفرد للاتجاه نحو تعاطي المخدرات أو المواد الكحولية وانتشارها.

6) العلاجات الطبية:

يعتبر من بين أسباب تعاطي المخدرات استخدام بعض الأدوية دون استشارة طبّيّة أو التشخيص الطبي الخاطئ الذي قد ينتج عنه وصف علاج طبي بأحد العقاقير المخدرة وبالتالي خلق حالة إدمان لدى المريض. هذه هي أبرز الأسباب المؤدية إلى التعاطي وليست كلها، ففي المجتمعات الإنسانية الكثير مما يعمل عمل المشجع والدافع نحو الانجراف وراء هذا السلوك الشاذ.

 

 

أضرار الإدمان:

1) الأضرار الصحية:

فقدان الشهية للطعام، مما يؤدي إلى النحافة والهزال، والضعف العام المصحوب باصفرار الوجه أو اسوداده لدى المتعاطي. كما يتسبب في ضعف النشاط والحيوية، وضعف المقاومة للمرض الذي يؤدي إلى دوار وصداع مزمن، مصحوباً باحمرار في العينين.

اختلال في التوازن، والتأزر العصبي في الأذنين.

- التهيج الموضعي للأغشية المخاطية، والشعب الهوائية، وذلك نتيجة تكوّن مواد كربونية، وترسبها في الشعب الهوائية، حيث ينتج عنها التهابات رئوية مزمنة، قد تصل إلى الإصابة بالتدرن الرئوي.

- اضطرابات في الجهاز الهضمي، والذي ينتج عنه سوء الهضم، وكثرة الغازات، والشعور بالانتفاخ، والامتلاء، والتي عادة ما تنتهي إلى حالات من الإسهال الخاصة، عند تناول مخدر الأفيون، أو الإمساك. كذلك تسبب التهاب المعدة المزمن وتعجز المعدة عن القيام بوظيفتها وهضم الطعام. كذلك التهاب غدة البنكرياس وتوقفها عن العمل بوقف تزويد الجسم بهرمون الأنسولين الذي يقوم بتنظيم مستوى السكر في الدم.

تلف الكبد وتليفها، حيث يحلل المخدر (الأفيون مثلاً) خلايا الكبد، ويحدث بها تليفاً، وزيادة في نسبة السكر، مما يسبب التهاب وتضخم الكبد وتوقف عملها بسبب السموم التي تعجز الكبد عن تخليص الجسم منها.

حدوث التهابات في المخ، وتحطيم وتآكل ملايين الخلايا العصبية، التي تكوّن المخ، مما يؤدي إلى فقدان الذاكرة، والهلاوس السمعية والبصرية والفكرية.

اضطرابات القلب، كمرض القلب الحولي، والذبحة الصدرية، وارتفاع ضغط الدم، وانفجار الشرايين، وفقر الدم الشديد وتكسر كرات الدم الحمراء، وقلة التغذية، وتسمم نخاع العظام الذي يصنع كرات الدم الحمراء. 

- التأثير على النشاط الجنسي وتقليل إفرازات الغدد الجنسية، حيث تقلل المخدرات من القدرة الجنسية على عكس الاعتقاد السائد بأنه تعمل على تحفيز القدرة الجنسية ومضاعفتها.

- انتشار الأورام، واليرقات وسيلان الدم، وارتفاع الضغط الدموي في الشريان الكبدي.

- الإصابة بنوبات الصرع، بسبب الاستبعاد للعقار، وذلك بعد ثمانية أيام من الاستبعاد.

- احتمال ظهور العيوب الخلقية في الأطفال حديثي الولادة. - ظهور المشاكل الصحية لدى المدمنات الحوامل بشكل خاص، مثل فقر الدم، ومرض القلب، والسكري، والتهاب الرئتين، والكبد والإجهاض العفوي، وانقلاب وضع الجنين الذي يولد ناقص النمو في الغالب، هذا إذا لم يمت في رحم الأم.

- تعتبر المخدرات سببا رئيسياً للإصابة بأشد الأمراض خطورة كالسرطان على سبيل المثال لا الحصر.

- تعاطي جرعة زائدة ومفرطة من المخدرات قد يكون في حد ذاته انتحاراً

2) الأضرار النفسيّة: 

يحدث تعاطي المخدرات اضطراباً في الإدراك الحسي العام، وخاصة إذا ما تعلق الأمر بحواس السمع والبصر، ويحدث خلل عام في المدركات، بالإضافة إلى الخلل في إدراك الزمن بالاتجاه نحو البطء واختلال إدراك المسافات، بالاتجاه نحو الطول، واختلال إدراك الحجم نحو 

يؤدي تعاطي المخدرات إلى اختلال التفكير العام، حيث يمتاز التفكير بالصعوبة والبطء، وبالتالي يؤدي إلى فساد الحكم على الأمور والأشياء التي يحدث معها بعض أو حتى كثير من التصرفات الغريبة، إضافة إلى الهذيان والهلوسة.  تسبب المخدرات إثر تعاطيها في حدوث مجموعة من الآثار نفسية كالقلق والتوتر المستمر، والشعور بعدم الاستقرار، والشعور بالانقباض والهبوط، مع عصبية وحِدّة في المزاج، وإهمال النفس والمظهر وعدم القدرة على العمل أو الاستمرار فيه. - حدوث حالة من الاختلال في التوازن، والذي يُحدث بدوره بعض التشنجات، والصعوبات في النطق، والتعبير عما يدور في ذهن المتعاطي، بالإضافة إلى صعوبة المشي.

-  اضطراب الوجدان، حيث ينقلب المتعاطي عن حالة المرح والنشوة والشعور بالرضى والراحة (بعد تعاطي المخدر) ويتبع هذا ضعف في المستوى الذهني وذلك لتضارب الأفكار لديه. فهو بعد التعاطي يشعر بالسعادة والنشوة والعيش في جو خيالي وغياب عن الوجود وزيادة النشاط والحيوية، ولكن سرعان ما يتغير الشعور بالسعادة والنشوة إلى ندم، وواقع مؤلم، وفتور وإرهاق، مصحوبان بخمول واكتئاب.

-  تتسبب المخدرات في حدوث العصبية الزائدة، والحساسية الشديدة، والتوتر الانفعالي الدائم والذي ينتج عنه بالضرورة، ضعف القدرة على التواؤم والتكيف الاجتماعي.

 

الأبعاد النفسيّة، والاجتماعيّة، والتربويّة:

1)    البعد الحيوي:

 ثمة اتجاه يعزو سوء استعمال المخدرات أو القابلية لتعاطيها إلى عوامل جينية فطرية. وأصل هذا الافتراض لتعليل الاعتماد عليها يوجّه أساسا لسببية إدمان الخمور. كما أن هناك افتراضات مؤداها احتمالية وجود أسباب جينية فطرية لسوء استعمال المخدرات ترتبط وراثيا بخصائص إفرازات المورفين الذاتية، إذ أن بعض إفرازات نوع من أنواع الأفيون في المخ قد يكون له دور في إقبال صاحبه على الأفيون.

هناك وجهة نظر ترجع نفس الأسباب إلى الكحول أيضا، ويؤثر هذا وذاك على الجهاز العصبي المركزي. وقد يكون أحد هذه المجالات محاولات التعليل البيولوجي الحيوي الوراثي لسوء استعمال المخدرات والخمور.

وعلى أي حال فإن هذه الفروض تحتاج إلى مزيد من المراجعة البحثية لتحقيقها علميا على مستوى الدراسات الحضارية المقارنة لأن أساليب الاستعمال والممارسة تختلف من سياق اجتماعي ثقافي لآخر، إلا أن الأمر شديد الوضوح هو أن الخبرات الأولى لسوء الاستعمال لا تحدث إلا في سياق اجتماعي عن طريق عملية التعلم التي ترتكز على أن السلوك السوي أو المنحرف يتأثر بأسبقية تعلمه ومدى تكراره واستمراره وعمقه، بما يعني أنه لولا الخبرة الأولى للتعاطي التي مصدرها نوعية الجماعة التي تعطي نعوتا لهذا السلوك أو ذاك بالاستحسان أو الاستهجان لما تكرر السلوك أو استمر.

يعتبر استعمال المخدرات لتسكين الآلام البدنية من الأسباب المكتسبة بيولوجيا، وذلك بالنسبة للأفيون بدعوى أنه يخفف الآلام المرتبطة بأمراض معينة. وذلك مدخل يسير لطرق أبواب من العلاج دون الوصول إلى التشخيص الفعلي للأمراض، وقد يؤدي هذا المسلك في كثير من الحالات إلى الاعتماد على المخدر دون أن يقصد المريض أي إساءة أخلاقية. يطلق على مادة الأفيون بأنه القاتل للألم وكذلك المواد الأخرى التي يطلق عليها أيضا الملطفة للمشاعر، وهي من مشتقات الأفيون أو المناظرة له وأشهرها المورفين والهيروين، وأخرى تشتمل على الكوديين والميبيردين (ديميرول) والميثادون (آميدون، دولوفين). فضلا عن إزالة الألم يحدث الأفيون ارتخاء عضلي وقلة النشاط الحركي والميل إلى الخمول والكسل والنعاس. ومن مستحدثات المواد المخدرة المصنعة التي اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية منذ الثمانينات ثم تلتها إلى الدول الأخرى عقار الميث Meth الذى يتعاطى بطرق مختلفة، والكراك Crack أحد مشتقات الكوديين، والذي أصبح وباء في أميركا الشمالية والوسطى.

وقد اكتسب الميث شعبيته في عالم التعاطي بسبب سهولة إنتاجه محليا ومنزليا وانخفاض ثمنه على عكس الحشيش والكوكايين الذي يستورد من الخارج. من آثار الميث البدنية الخطيرة التي تحدث خلال ساعتين منذ بداية تعاطي الجرعة هو الاندفاع المفاجئ الذي يحدث بسبب تغيرات حادة في المخ، وإحساس بالتخدير يماثل صدمة الأدرينالين. أما الآثار البدنية الصحية للحشيش - باعتباره أكثر المواد انتشارا في العالم في سوء الاستعمال - وبالرغم من إباحته من قبل بعض الدول فإنها ثابتة لمن استعمله يوميا وعلى مدى عدد من السنين، وذلك غالبا ما يكون في أمراض الجهاز التنفسي وضعف القدرة الإدراكية. وقد تحققت هذه الإصابات لدى 10% من المتعاطين يوميا، و20 - 30% ممن يتعاطونه بشكل أسبوعي. أما استخدامه أثناء فترة الحمل فأدى إلى تقصير فترة الحمل وانخفاض وزن المواليد أو تشوّه بعضهم، وقصور أيضا في عمليات الولادة. واتضح كذلك أن ثمة احتمالا كبيرا لمن يستخدمونه بشكل متكرر ومكثف وقوفهم على حافة دائرة الإصابة بمرض السرطان وسوء الهضم واحتمال الإصابة باللوكيميا.

2)    البعد الثقافي:

لا تقتصر آثار المخدرات على الأضرار الحيوية على مستوى الفرد بل إن العلاقة العضوية الحيوية تؤثر وتتأثر بالجهاز النفسي، هذا فضلا عن السياق الاجتماعي والثقافي، ومن ثم فإن البعد النفسي كان قد حظي بكمّ هائل من الدراسات والبحوث في مجالات التعاطي والإدمان سواء بالنسبة للمخدرات أو الكحوليات.

هناك مشكلة بأنه لا يوجد شخص يزعم ما إذا كانت التغيرات النفسية المرضية أوالتغيرات في الشخصية يمكن اعتبارها سببا ونتيجة للاعتماد على المخدرات. وهذا يتضمن الإدمان العدواني الذي يتصف بمستوى عال من القلق في العلاقات الشخصية وإحباط في التسامح ومشاعر التقليل من شأن النفس أو تقويم الذات.

ولو أن الدراسات النفسية المعتمدة على نظرية التعلم قد ألقت بعض الضوء على مختلف جوانب المشكلة، ولكن ذلك لا يمكن أن يصف الظاهرة بأبعادها المتعددة. يؤدي سوء استعمال المخدر إلى تغيرات أساسية في الشخصية إذ تجعل الإنسان قابلا للأمراض النفسية والذهانية.

وهناك آثار حادة من الاعتياد على الحشيش من أهمها القلق والهلع والبارانويا، خاصة بالنسبة للمتعاطين المحدثين، والوهن الإدراكي وخاصة بالنسبة للتركيز والذاكرة وضعف الآلية النفسية وتأخر ردود الأفعال مما يترتب عليه مخاطر حوادث الطرق والسيارات. وأيضا توقع المخاطر الزائدة للأعراض الذهانية بين هؤلاء المدمنين الذين في سجل أسرهم تاريخ أمراض ذهانية.

أما الآثار المزمنة فهي تنتج من جراء الاستخدام المزمن للحشيش لعدد من السنين -وإن كانت ثمة آراء لا تؤكد ذلك- فهناك أعراض الاعتمادية التي يحددها عدم القدرة على الامتناع أو الكف عن سوء الاستعمال وهناك أيضا أشكال كامنة، كما في الآثار الحادة، للوهن الإدراكي الذي يؤثر على الانتباه والذاكرة. وأيضا انخفاض مستوى الأداء والمهارات والتحصيل الدراسي عند البالغين.

أما آثار الأفيون النفسية ومشتقاته ففضلا عما ذكرنا في الآثار البدنية فإن الارتباط وثيق بينهما، فالأفيون من المواد المثبطة التي تؤدي عادة إلى تخفيض مستوى العصبية والنشاط البدني، فإلى جانب الارتخاء العضلي والرغبة في الخمول، هناك إحساس بالانشراح والشعور بالسعادة والرضا وستجد نفسك تنظر إلى هذه المشاكل بطرق مختلفة، فكل شيء هادئ مما يجعلك لا تشعر بحاجتك إلى محاربة العالم.

والواقع أن ثمة مناقشات دائرة حول المبالغة للطبيعة الإيجابية لنتائج هذا الانشراح، فهناك قول بأن هذا الابتهاج هو نوع من التخيل والوهم إذ إن مثل مشاعر الابتهاج تنحصر غالبا في المراحل المبكرة للتعاطي، أما في المراحل المتأخرة فالنتائج عكس ذلك تماما فالشعور بعدم الابتهاج وعدم الرضا والسعادة هو واقع المدمنين.

أما بالنسبة لعقار الميث أو الكراك المصنع معمليا فإن خطورته في مجرد التعاطي لأنه يسبب تغيرات حادة في المخ ويشعر المستعمل له خلال ساعتين بالسعادة. يستطيع متعاطو الميث أن يظلوا من ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة أو أكثر معتمدين على كيفية استخراج دخان المخدر أو استنشاقه أو شمّه أو بلعه أو الحقن به.

يلاحظ أن البداية العمرية للتعاطي يبلغ متوسطها أصغر في الحشيش منه في الكوكايين والهيروين فهو يراوح بين 16 - 17 عاما في الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وأستراليا بينما يصل إلى 19 - 22 بالنسبة للكوكايين والهيروين لنفس البلدان. وتؤكد الدراسات المعاصرة إيجابية الارتباط بين زيادة استهلاك الحشيش بما فيه أوراق البانغو بين ثقافة الشباب السائدة، ففي دراسة حديثة في فرنسا تفيد تماثلا بين دول أوروبا في توافق عملية التطور المستمرة لاستعمال القنب (الحشيش) والتغيير في ثقافة الشباب.

طبقا لتعريف منظمة الصحة العالمية WHO فإن إدمان المخدر أو الاعتماد عليه هو حالة من الخدر والتسمم المرحلي أو المزمن تنشأ بسبب استهلاك المخدر الطبيعي أو المصتّع وتتضمن خصائصه الآتية:

- رغبة عارمة أو حاجة قهرية للاستمرار في تعاطي المخدر والحصول عليه بأي طريقة.

- ميل واضح لزيادة الجرعة.

- اعتماد جسمي ونفسي على تأثيرات المخدر.

- نتائج وتأثيرات ضارة على الفرد والمجتمع.

دون وضع العوامل الاجتماعية والبيئية في الاعتبار لا يمكن أن نحصل على تفسير سببي كامل لمسألة الإدمان، إذ أن المجتمع هو الذي يحدد كلا من العرض والطلب للمخدرات، وهو الذي يقرّ معايير السلوك ذات الأهمية لفهم الاتجاهات ونماذج السلوك التي تقر الاستعمال للمخدر. وليس من السهولة بمكان أن نحدد أو نقيس النتائج والآثار لعدد من المتغيرات المعقدة والمتفاعلة التي تسهم في تكوين المجتمع، إلا أننا يمكننا التركيز على بعض الأبعاد المحورية في الحياة الاجتماعية، ومن أولها أثر تجزيء الهياكل البنائية ومدى فعالية الأسرة.

ففي الأسرة يمكن أن يكوّن الآباء والأبناء نماذج سلوكية سوية، ويمكن أن تكون الثقافة الفرعية للأسرة والحي الذي تنتشر فيه المخدرات اتجاها محبذا أو محايدا على الأقل إزاء أنواع معينة من المخدرات وليس ضدا لها.

وقد تشكلت أنماط التنشئة هذه في أغلب المناطق الموبوءة بالمخدرات لأسباب نفعية خاصة باقتصاديات الأسرة التي يستفيد منها جميع أعضاء الأسرة بما فيهم الأبناء بطبيعة الحال، حتى يصل إلى درجة توارث أسرار مهنة الجلب والتوزيع لدى العائلات المشتغلة بالتجارة والتوزيع.

إن مثل هذا التناقض قد يؤدي إلى تناقض مثيل له في عملية التنشئة والتربية في الأسرة التي تلوثت أجواء قيمها بثقافة التعاطي التي أشرنا إليها سلفا في العوامل الثقافية المشجعة للتعاطي عند الشباب. وإذا كان للأسرة دورها الإيجابي في الرعاية والحماية والتنشئة والوفاء بالحاجات الأساسية البدنية والصحية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من احتياجات مستجدة، وتأثيرها الكبير في تشكيل الاتجاهات والقيم وضروب السلوك، فإنه يمكن أيضا أن يكون لها دور سلبي إذا ما ساد فيها أجواء التوتر والاضطراب والمشكلات المرضية والنفسية والتعرض للأذى وتعاطي المخدرات.

3)    البعد التربوي:

إذا انتقلنا إلى الأثر التالي للأسرة أصدقاء ما بعد الطفولة المبكرة، والمواكب لهما في المراحل العمرية اللاحقة فستكون بالضرورة المؤسسة التعليمية التي تعدّ الفرد إلى التوافق مع مجتمعه بأبعاده التاريخية والثقافية والحضارية المتعددة على هدى الحقوق والمسؤوليات التي سينشأ على مراعاتها والالتزام بها.

لقد بينت الدراسات التي اقتفت أثر سوء استعمال الحشيش، وهو أقل شدة ونفاذا من المواد القاسية الأخرى، أن الاستعمال المزمن أو الحاد قد يؤدي إلى إضعاف الذاكرة والوظائف العقلية والقدرة على تسلسل الأفكار والإضرار بالنمو الاجتماعي والعاطفي للأطفال والمراهقين، وإضعاف مستوى الأداء الدراسي، وترتبط درجة الإضعاف بالكمية أو الجرعة المتناولة.

يلخص الأثر المحتمل لأنواع مختلفة من المخدرات بأنها يمكن أن تقلل من العمليات والقدرات المعرفية، وتعوق بين الطفولة والشباب وتنمية قيمهم ومثلهم. كما يؤدي انخفاض مستوى الكفاءة المعرفية إلى انخفاض المستوى الأكاديمي ويؤدي إلى التقليل من شأن الإنسان لنفسه، كما تسهم في عدم الاستقرار النفسي والشعور بالهوية وقد تهيمن المخدرات على تفكير الشخص إلى درجة إصراره على اللجوء إليها كمهرب لحل مشكلاته الخاصة.

تعليق
الإسم
البريد الالكتروني
التعليق
ملاحظه: تود إدارة الموقع أن تشير إلى عدم نشرها لتعقيبات تحوي مضامين مسيئة او ليست لها علاقة بفحوى المادة المنشورة. تحفظ الإدارة لنفسها حق تقصير وتحرير الردود، بما يتناسب مع حرية النشر من جهة ومنع التشهير والقذف والإساءة الشخصية، من جهة أخرى.
ارسال التعليق

برمجة وتطوير :