الرئيسية » أخبار بلدنا » أخبار بلدنا - قديم » 17 معرضًا فنّيًا ضائعًا
17 معرضًا فنّيًا ضائعًا
28/08/2014 - 15:58
على مر السنوات الماضية، شارك الفنانون التشكيليون الفلسطينيون في عدد كبير من المعارض خارج فلسطين. عدد لا يستهان به من هذه المعارض فقد، واللوحات المشاركة صارت مجهولة المصير. وتكثر التكهنات حول ما آلت إليه أعمال فنية هامة، وتكثر أصابع الاتهام الموجهة لأشخاص أو مجموعات. وما يؤكده فنانون من خلال مقابلات أجراها المتحف الفلسطيني مؤخراً، أن توأمة سوء التنظيم مع وجود انتهازيين استغلوا فرصاً سانحة، أدى إلى ضياع الكثير من الأعمال ودون معرفة مستقرها النهائي. وإذا أضفنا إلى ذلك معارض صادرها الاحتلال الإسرائيلي أو تعرضت للتلف بالكامل، فإننا نجد أنفسنا أمام حالة يستوجب الوقوف عندها، لا سيما وأن الأعمال المفقودة مجتمعة تمثل جزءاً هاماً من تاريخ الفن البصري الفلسطيني.

وفي هذه النشرة نحاول حصر بعض المعارض الجماعية المختفية، من خلال الحديث إلى فنانين تشكيليين فلسطينيين حول موضوع يشكل محور حديث ساخن في كواليس الفن التشكيلي الفلسطيني. ننوه بأن النشرة لا تشتمل المعارض الشخصية التي تم ذكرها خلال اللقاءات، ولا أعمالاً فنية ضاعت فرادى، ولا حتى أعمالاً ضاعت خلال الاحتلال الإسرائيلي بعد الأعوام 1948 و1967. ونأمل أن تكون هذه البادرة خطوة للفت الانتباه إلى موضوع يستحق تحقيقاً أعمق ومتابعة جدية. 
 

معرض لندن - 1976

من أوائل المعارض الجماعية التي نظمت لفنانين فلسطينيين في العالم. ضم 30 عملاً فنياً، وكان من المشاركين فيه: سليمان منصور، نبيل عناني، عصام بدر، خليل ريان، ليلى الشوا، كامل المغني، إسماعيل عاشور، وخليل الددح، وأشرفت على تنظيمه الناشطة ليلى منطورة، حيث أقيم على يخت "تاتيرشال كاسيل" في نهر التيمز. بعد انتهاء المعرض وضعت اللوحات في متجر متخصص في الألبسة التراثية في لندن تملكه الملكة دينا (زوجة ملك الأردن السابق)، إلى حين إيجاد طريقة لإعادتها، وبعد فترة تم إغلاق المتجر، ولم يعرف الفنانون مصير اللوحات رغم محاولاتهم المتكررة.

صورة لنبيل عناني وسليمان منصور عند مدخل يخت تاتيرشال، لندن، 1976. الصورة من الأرشيف الشخصي لنبيل عناني
 

الولايات المتحدة - 1977

هو المعرض الخارجي الثاني الذي شارك فيه فنانون فلسطينيون من الأراضي المحتلة، وقد تم تنظيمه بالتعاون مع الجامعة العربية في ثماني ولايات أميركية، وبمشاركة 15 فناناً كان من بينهم جمال بدران، سميرة بدران، عصام بدر، وسليمان منصور. لم تتم إعادة اللوحات إلى أصحابها، واختفى المعرض بالكامل.

أحد الأعمال الفنية للفنان الراحل عصام بدر

 
 

المعرض التشكيلي الدولي من أجل فلسطين - 1978

نظم بمبادرة من ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في باريس، عز الدين القلق، ليسافر حول العالم ويكون نواة للمتحف الفلسطيني الدائم. تبرع 177 فناناً فلسطينياً وعربياً وعالمياً بـ 194 لوحة وعدد من المنحوتات لتكون جزءاً من المتحف، وكان من بينها لوحات لـلفنان الفرنسي كلود لازار. افتتح المعرض في جامعة بيروت العربية، ثم عرضت بعض الأعمال في متحف طوكيو للفن الحديث في باريس، وعرض جزء آخر في متحف طهران. وفي العامين 1981 و1982، أقيم معرضان في النرويج، ضمّا لوحات من هذه المجموعة. أثناء الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، قصف مكتب الإعلام الموحد، واختفت الوثائق الخاصة بالمعرض، ومعها اختفى المعرض تماماً. بدأ بعدها تبادل الاتهامات، وادعى بعض الفنانين رؤية الأعمال في حوزة أشخاص معينين، كما قيل بأن الأعمال بيعت في باريس، ولا يزال الغموض يكتنف مصيرها.

صورة لكاتلوغ المعرض
 

معرض غزة - 1979

تم تنظيمه في جمعية الهلال الأحمر في غزة على هامش أسبوع الطفل الفلسطيني، وبمبادرة من د. حيدر عبد الشافي. شمل المعرض 42 عملاً فنياً لمجموعة من الفنانين، كان منهم: كريم دباح، عصام بدر، سليمان منصور، نبيل عناني، فتحي غبن، رحاب النمري. وضعت اللوحات في مكتبة الجمعية ليتم نقلها في صباح اليوم التالي إلى قاعة العرض، وفي الأثناء خرجت مظاهرة للإخوان المسلمين في غزة أحرقت خلالها فنادق وأماكن سياحية، وطال الحريق مكتبة جمعية الهلال الأحمر. يقول سليمان منصور إنه فقد لوحته المعروفة «لينا النابلسي» في هذا الحادث، وعندما وصل الفنانون إلى مكان العرض وجدوا أطراً متفحمة للوحات.

أحد أعمال الفنان سليمان منصور التي حرقت بالكامل في هذا المعرض
 

معرض فلسطين في موسكو - 1979

نظمته منظمة التحرير الفلسطينية ضمن نشاطات جمعية الصداقة الروسية الفلسطينية، وشارك في هذا المعرض مصطفى الحلاج، كامل المغني، إسماعيل شموط، تمام الأكحل، إبراهيم هزيمة، سليمان منصور ونبيل عناني. بعد انتهاء العرض تم نقل المعرض إلى بيروت، ولكن الأعمال لم  تعد إلى أصحابها، إذ اختفت هناك.

احد أعمال الفنان الراحل مصطفى الحلاج
 

غاليري كرامة في بيروت - 1982

كان يقيمه الفنان الفلسطيني الراحل إسماعيل شموط، ويحتوي على أعمال فنية لعدد من الفنانين من بينهم: سليمان منصور، نبيل عناني، زهدي العدوي، ياسر دويك. أثناء الاجتياح الاسرائيلي لبيروت عام 1982 قُصف المبنى، وفقدت على إثر ذلك جميع الأعمال الفنية. ويقول خالد حوراني إنه رأى بعضاً من لوحات سليمان منصور وزهدي العدوي وياسر دويك بالمصادفة معلقة في منزل في بيروت دون علم الفنانين. وتتحدث الفنانة تمام الأكحل، زوجة الفنان الراحل إسماعيل شموط، عن مجموعة أخرى من اللوحات التي تم إنقاذها من الركام حينها، دون ذكر لوحات الفنانين الفلسطينيين المذكورين أعلاه: "استطاع إسماعيل أن يدخل إلى صالة العرض التي قصفت، وأن يخرج بعض اللوحات من تحت الركام، والتي تعود إلى معرض لمتضامنين أجانب مع القضية الفلسطينية من اليابان وألمانيا الشرقية، وهي حوالي 25 لوحة، وقمنا بوضعها عند شخص يدعى "علي الغريب" في عمارة الفيحاء مؤقتاً، لأن منزلنا كان متضرراً من القصف، ولكنه أنكر لاحقاً، وقال إنها سرقت".

عمل فني لـ ياسر دويك
 

معرض الكويت - 1986

أقيم المعرض على هامش "يوم القدس" في الكويت، وكان المرحوم فيصل الحسيني قائماً عليه. ويقول سليمان منصور: "سمعنا بأن المعرض كان ناجحاً، وأنه تم بيع العديد من اللوحات، ولكن لم يصلنا ثمن هذه اللوحات ولم تعد اللوحات غير المباعة. وبعد فترة تفاجأت بأن إحدى لوحاتي التي شاركت في ذلك المعرض يتم بيعها في مزاد علني".
 

معرض إيطاليا - 1988

تمت إقامته في روما بمبادرة من الناشطة الإيطالية المعروفة لويزا مورغنتيني، ومن خلال مجموعة فنانين إيطاليين متضامنين يطلقون على نفسهم اسم "كوفية". ضم المعرض ثلاثين عملاً لفنانين فلسطينيين منهم: تيسير بركات، فيرا تماري، كريم دباح، عدنان الزبيدي، طالب دويك، عوض أبو عرمانة، وتيسير شرف. جال المعرض عدداً من المدن الإيطالية، ولكن اللوحات أصبحت مجهولة المصير. وتبذل الآن جهود جدية لاستعادة اللوحات.

عمل فني لـ تيسير شرف
 

معرض أسبوع فلسطين في جامعة الخليل - 1989

نظم في جامعة الخليل، وكان من ضمن مجموعة معارض أخرى للتراث والكتاب. احتوى المعرض على لوحات لفنانين فلسطينيين منهم: خالد الحوراني، عيسى عبيدو، نبيل عناني، سليمان منصور، طالب دويك. صادرت قوات الاحتلال الإسرائيلي الأعمال الفنية المشاركة بعد أن قامت باقتحام المعرض بذريعة أنها أعمال تحريضية، وقامت على خلفية المعرض باعتقال الفنان خالد الحوراني ورئيس مجلس الطلبة في جامعة الخليل آنذاك، جبريل البكري. استطاع الفنان عيسى عبيدو استعادة بعض من لوحاته المصادرة، بعد أن تقدم بشكوى لرئيس بلدية الخليل الإسرائيلي المؤقت آنذاك، زمير شيمش، لكن لم يعرف لغاية الآن مصير الأعمال الفنية الأخرى التي صودرت.

عمل فني لـ خالد حوراني
 

معرض التشكيليين الفلسطينيين في تونس - 1990

نظمته رابطة الفنانين التشكيليين الفلسطينيين تحت إشراف منظمة التحرير الفلسطينية، على هامش يوم الثقافة الفلسطيني الأول، والذي افتتحه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بنفسه. احتوى المعرض على أعمال للعديد من الفنانين الفلسطينيين، جزء منهم كان يقيم في دولة الإمارات مثل بشير السنوار، ونصر عبد العزيز، وصبحي مراد، وعبد الكريم السيد، وأحمد حيلوز.  بيعت مجموعة من اللوحات وتم تسديد ثمنها للفنانين، ولكن اللوحات الباقية لم يعرف مصيرها. ويقول الفنان بشير السنوار بأن لوحاته الثلاثة المشاركة لم تعد، ويقول نبيل عناني أن صندوقاً عاد من تونس في وقت لاحق يحتوي على عدد من اللوحات استلمته وزارة الثقافة، وتم اعتبار اللوحات فيه ملكاً للوزارة، وأنه وجد بالصدفة بعضاً من لوحات ذلك المعرض معلقة في مبنى رئاسة الوزراء.


عمل فني لـ بشير سنوار
 

جنيف/ إيطاليا - 1990
معرض ٢ x ٦

هو نتاج ورشتين فنيتين أقيمتا في رام الله وغزة، وتم تنظيمه في جنيف. انتقل المعرض إثرها إلى إيطاليا ليعرض في مدينة ماغيون بالاتفاق مع نمر حماد، ممثل منظمة التحرير في إيطاليا آنذاك. تم إرسال حوالي 30 عملاً فنياً لمجموعة من الفنانين منهم: خالد حوراني، سليمان منصور، حسنى رضوان، بالإضافة إلى مجموعة من الأعمال لفنانين إيطاليين. لم يعد المعرض، ولا يعرف الفنانون مصير لوحاتهم حتى الآن.
 

معرض الدوحة/ قطر - 1996

تم تنظيمه ضمن أسبوع فلسطين في قطر، وهدف إلى تجنيد الأموال من أجل القدس ضمن مبادرة من فيصل الحسيني، إلى جانب معرض صور فوتوغرافية ومعرض رسوم كاريكاتير ومعرض رسوم أطفال، وشمل المعرض 40 عملاً فنياً. لم يعد من المعرض إلا 10 لوحات فقط، أما اللوحات الباقية فمجهولة المصير، وكذلك الأمر فيما يتعلق بمعرض الصور الفوتوغرافية ورسوم الكاريكاتير، أما معرض الأطفال فقد أعيد بالكامل. وكان من المشاركين في هذا المعرض الفنان سليمان منصور.
 

معرض صورة - صورة ذاتية - 1996

تم تنظيمه في مركز الواسطي للفنون في القدس بالتعاون مع فرقة صابرين والمركز الثقافي الفرنسي، واشتمل على لوحات فنية لمجموعة من الفنانين، منهم سليمان منصور، نبيل عناني، تيسير بركات، جواد المالحي، فايز السرساوي، خليل رباح، وغيرهم. انتقل المعرض بعدها إلى خارج الأراضي المحتلة، ولا تتوفر معلومات عن اللوحات المشاركة.

كاتالوغ المعرض، من أرشيف الفنان نبيل عناني
 

معرض "صنع في فلسطين" - 2003

تم تنظيمه ليجول الولايات المتحدة الأميركية بمشاركة 23 فناناً فلسطينياً، منهم زهدي العدوي، تيسير بركات، رنا بشارة، ميرفت عيسى، أشرف فواخري، سامية حلبي، مصطفى الحلاج، جواد إبراهيم، إميلي جاسر، فيرا تماري، وغيرهم. تم افتتاح المعرض في هيوستن، ومن ثم انتقل إلى سان فرانسيسكو، واعتبره النقاد في أمريكا من أقوى المعارض في تلك السنة، حيث اشتمل على لوحات زيتية وورقية ومنحوتات وسيراميك وصور فوتوغرافية. كان من المقرر له أن يجول في أكثر من ولاية، ولكن لم يتم تنفيذ هذه الجولة لأسباب لوجستية، وانتهى المطاف باللوحات في متحف "The Station Museum". وبحسب الفنانين المشاركين فقد بيع جزء من اللوحات بأسعار زهيدة، ولكن معظم الأعمال لا تزال موجودة في مخازن المتحف.

عمل فني لـ رولا حلواني
 

معرض مدينة مارتيني في سويسرا  - 2005
"فلسطين مفتاح الثقافة والسلام"

هو معرض جماعي شارك فيه مجموعة من الفنانين الفلسطينيين بـ 40 لوحة، من ضمنهم رائد عيسى، محمد الحواجري، محمد أبو سال، خالد الحوراني، تيسير بركات، وغيرهم، بالإضافة إلى معرض شخصي للفنان حسني رضوان. لم يستطع المنظمون إعادة اللوحات إلى فلسطين لعدم تسجيل اللوحات لدى الإسرائيليين قبل خروجها. ويقول حسني رضوان بأن الأعمال الآن في غاليري في لندن يعود إلى يحيى زلوم، والذي عرض أن يحتفظ بها إلى حين تنظيم عودتها، ويتابع: "لا توجد أية جهود اليوم لإعادة هذه اللوحات، ولا نعرف عنها أية معلومات". 

الفنان حسني رضوان في حفل افتتاح المعرض، الصورة من الأرشيف الشخصي لحسني رضوان
 

معرض بيروت - 2009

نظمته وزارة الثقافة الفلسطينية على هامش احتفالات القدس عاصمة الثقافة العربية، بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية في قاعة اليونسكو في بيروت. شارك في المعرض خمسة فنانين هم: سليمان منصور وسمير سلامة وحسني رضوان وخالد حوراني ومحمد صالح خليل، وضم المعرض عشرين لوحة. لم تعد اللوحات حتى الآن، رغم أن اثنين من المشاركين في المعرض هما موظفين في وزارة الثقافة الفلسطينية. ويقول محمد صالح خليل: "الأعمال موجودة في السفارة الفلسطينية في بيروت، ولا تتوفر الميزانية أو التنظيم اللازم لإعادتها". ومن جهته، يقول حسني رضوان: "حاولنا مع وزارة المالية في السلطة لكي توفر الميزانية اللازمة لشحن اللوحات، إلا أن هناك عدم اكتراث. وتوجد اللوحات اليوم في السفارة الفلسطينة في بيروت، والتي تحتفظ بها إلى حين ترتيب الشحن".

عمل فني لـ سمير سلامة
 

مجموعة وزارة الثقافة

عملت وزارة الثقافة خلال السنوات التي تبعت إنشاءها في التسعينات على اقتناء لوحات لفنانين فلسطينيين، كما حرصت على شراء لوحة على الأقل من كل معرض كان يقام تحت رعايتها. وبلغت مجموعة لوحات وزارة الثقافة أكثر من 50 عملاً فنياً، منها أعمال قديمة لفنانين رواد تم جلبها من بيروت، وكانت من مقتنيات منظمة التحرير هناك، ولكن جميع هذه الأعمال لم تصنف ولم ترقم ولم يتم توثيقها. وبالرغم من قيام الجيش الإسرائيلي بتدمير وتخريب مبنى وزارة الثقافة عند احتلالهم له في عام 2002، إلا أن اللوحات الفنية لم يصبها أي ضرر. ويشير الفنان محمد صالح خليل إلى أن الأعمال اختفت من مخازن الوزارة لاحقاً دون أن يعلم أحد عنها شيئاً. وتضم هذه المجموعة أعمالاً لـ كامل المغني، طالب دويك، عوض أبو عرمانة، سليمان منصور، إضافة إلى جزء من الأرشيف الفلسطيني الذي جاء من تونس، ويضم بوسترات فنية أصلية.

عمل فني لـ كامل المغني
 
إذا  كنت تعرف عن مصير أعمال شاركت في معارض ذكرت في سياق هذه النشرة الإخبارية، الرجاء التواصل معنا عبر البريد الإلكترونيinfo@palmuseum.org   

من جهة أخرى، استولى الجيش الإسرائيلي على العديد من اللوحات عند احتلاله لبيوت فلسطينيين في العام 1948، ولكن القليل من المعلومات متوفر عن هذا الموضوع. إذا كنت تعرف عن لوحات اختفت بعد الاحتلال الإسرائيلي في عام 1948، نرجو أن تتواصل معنا عبر البريد الإلكتروني info@palmuseum.org ، أو الاتصال على هاتف المتحف الفلسطيني رقم 2974797  2 970+  
 

في مواجهة الإبادة الجماعية المحتملة، ما هي فائدة المتاحف؟

مقال لعمر القطان إثر العدوان على غزة


في الوقت الذي كان العالم يشاهد برعب كبير حجم الدمار الهائل الذي انصب على أهلنا في غزة خلال الأسابيع الماضية، تركزت جهوده على توفير الإغاثة الإنسانية والسعي إلى وقف إطلاق النار غير المشروط. أما في المتحف الفلسطيني، وهو مشروع أطلقته قبل عدة سنوات مؤسسة التعاون (وهي مؤسسة فلسطينية مستقلة، تكرس نفسها لتوفير المساعدة التنموية والإنسانية المستدامة في فلسطين)، وجدنا أنفسنا في حالة من الخدر والشعور بالعجز في وجه هذه المذبحة، بينما صبت المؤسسة كل طاقاتها في الإغاثة الطارئة. إلا أن دورنا كمؤسسة ثقافية كان أقل وضوحاً.

في الحقيقة، تساءل فريق عمل المتحف الفلسطيني عما يمكن أن يقوم به في مواجهة مثل هذه الأحداث، وعن ماهية دوره في هذه المرحلة الحرجة. يسعى المتحف الفلسطيني إلى رواية التاريخ الفلسطيني، كوسيلة في حفظ جزء من الذاكرة الوطنية الجمعية، مع التأمل فيها ومحاولة استخلاص دروس مهمة منها. ومع الأسف، فإن الرواية الفلسطينية تزخر بالأمثلة على محاولات الإبادة الاجتماعية والثقافية ضد شعبنا، خلال الخمس والستين عاماً الأخيرة، ابتداء من نكبة عام 1948 التي طردت على إثرها إسرائيل أكثر من ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من بلادهم، ودمرت قراهم وبلداتهم، ومسحت الكثير منها عن الوجود، تلاها احتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وطرد 250,000 فلسطيني آخرين في العام 1967. تبع هذا كله حرب لبنان عام 1982، والتي قتلت فيها إسرائيل عشرات الآلاف من المدنيين اللبنانيين والفلسطينيين، والتي انتهت بمجزرة صبرا وشاتيلا وقتل ما بين 800- 3000 مدني على أيدي قوات الكتائب اللبنانية تحت إشراف إسرائيلي، والقمع الوحشي لانتفاضتين شعبيتين. كل هذا مع استمرار المصادرة الإسرائيلية لأرضنا ومواردنا المائية، وبناء المستوطنات غير المشروع على أراضي الضفة الغربية، وبناء جدار الفصل العنصري، وإقامة الحواجز العسكرية على امتداد أرضنا، وأخيراً وليس آخراً، ثلاث حروب على قطاع غزة منذ العام 2008. والسؤال المطروح هنا هو: هل من الممكن أن تكون دراسة وتوثيق هذه الجرائم التاريخية ضماناً لئلا تحدث مجدداً؟ وإذا كان هذا غير ممكن، فلماذا نتكبد عناء بناء متحف يسجل هذه الجرائم ويوثق لها؟

إحدى الإجابات الممكنة تكمن في مفهوم الصمود، الذي أثر بعمق في الخطاب الثقافي والسياسي الفلسطيني، ويعدُّ مبرراً رئيساً لوجود المتحف الفلسطيني. منطق هذا المفهوم ينبع من أننا، كفلسطينيين، علينا الاستمرار في بناء حياتنا ومؤسساتنا، في مواجهة الجبروت العسكري الإسرائيلي وبالرغم منه: هذا هو الشكل الأبسط والأكثر حيوية وفاعلية من أشكال المقاومة، وهو طريقة لتأكيد وجودنا المادي وحضورنا الثقافي على أرضنا، في الوقت الذي ندرك فيه تماماً أن موازين القوى السياسية تقف ضدنا. وجزء هام من عملية المقاومة هذه يكمن في الحفاظ على ذاكرة الماضي، لا سيما توثيق الظلم الذي ارتكب ضد شعبنا.

إن ما شهدناه في الأسابيع الأخيرة يؤكد على أن هذا الجهد لا يمكنه القضاء على إمكانية تكرار محاولات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي مرة أخرى، والتي قد تشكل جزءاً من مخططات، أو، على الأقل، من لاوعي مفكري الحركة الصهيونية، حيث أنها واجهت حتى اليوم فشلاً ذريعاً في إفراغ فلسطين التاريخية من سكانها العرب، ولكنها، في ذات الوقت، ترفض رفضاً قاطعاً أن تعترف بحقوقهم في إطار سلام عادل وشامل. ويمكن أن نرى في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وفي الدعوات الصريحة التي رافقتها لكبار السياسيين الإسرائيليين، خلال الأسابيع الأخيرة، لطرد، أو حتى لإبادة الفلسطينيين، على أنها قد تكون نوعاً من البروفا لمثل هكذا سيناريو. وبالطبع، فإن هذا ليس أمراً يمكن للمتحف الفلسطيني منعه، وكل ما يمكنه القيام به هو رفع مستوى الوعي بين الفلسطينيين والعالم، بأن ما حدث خلال نكبة عام 1948 يمكن أن يحدث مرة أخرى، وهذه المرة على نطاق كارثي أوسع. وبهذا يأمل المتحف الفلسطيني في أن يشكل صفارة إنذار– إذا صح التعبير- لأهوال المستقبل المحتملة.

على المتحف الفلسطيني أيضاً أن يوفر منصة لنا نحن الفلسطينيين، لنتمكن من خلالها من التفكير ملياً بمسؤولياتنا كشعب تجاه أحداث الماضي والمستقبل، وبعد كل هذا، النظر في الأسباب التي جعلت الماضي يؤول إلى ما آل إليه، وماذا كان علينا أو ما يجب علينا الآن القيام به لتغيير واقعنا. هذه الأسئلة يود كل متحف مختص بالتاريخ والثقافة أن يطرحها زواره على أنفسهم، وهي مهمة لأنها تتمتع بقوة تمكينية: فهي تذكرنا بأننا لسنا مجرد ضحايا للتاريخ، ولكننا أدواته أيضاً، وهكذا، في نفس السياق، بإمكان المتاحف أن تشكل مباعثاً للأمل. وفي حالتنا نحن الشعب الفلسطيني، فإننا ما زلنا هنا، سواء في الوطن أو المنفى، وما زلنا مستمرين في إسماع صوتنا وحشد الدعم والتأييد لقضيتنا، وثقافتنا يحتفى بها حول العالم، بعد أن تعرضت لعقود طويلة إلى التشويه والإقصاء، هذا كله يعني حتماً أن المستقبل ملك لنا، وليس لأولئك الذين يحاولون إقصاءنا والقضاء علينا.

ولكن، في حين أن مسؤولية المتحف الفلسطيني الأولى تكمن في أن يكون شاهداً على الانتهاك الأخلاقي في حرب غزة، وفي تكريم شهدائها، إلا أنه لا يمكن أن يتجاهل مهمته الأكثر تعقيداً وأهمية، والتي تتمثل في تحليل هذه الأحداث، والتساؤل حولها، والسعي في نهاية المطاف إلى فهم أسباب حدوث الكارثة. علينا أن نتساءل عما كان يجب علينا القيام به لمنعها، ولماذا لم نتمكن من ذلك. فمن الضروري جداً توثيق جرائم الماضي والحاضر، ولكن من الأهم أن نتساءل كيف يمكن لمجتمع أن يقاوم محاولات القضاء عليه وأن يمنع الكوارث عن نفسه، لكي يبني مستقبلاً عادلاً وآمناً لمواطنيه، هذه حتماً هي المهمة الأصعب، والتي تواجه كل المؤسسات الثقافية التي تعمل في خدمة شعب مهدد بالإبادة الجماعية.

عمر القطان- عضو في مؤسسة التعاون، ورئيس فريق عمل المتحف الفلسطيني
https://www.palmuseum.org
10 آب، 2014

 

شارك الخبر